فصل: تفسير الآيات (27- 42):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (7- 11):

{وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (8) وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11)}
{واعلموا أنَّ فيكم رسول الله} فلا تقولوا الباطل؛ فإنَّ الله يخبره {لو يطيعكم في كثير من الأمر} لو أطاع مثل هذا المخبر الذي أخبره بما لا أصل له {لعنتم} لأثمتم ولهلكتم {ولكنَّ الله حبب إليكم الإيمان} فأنتم تطيعون الله ورسوله، فلا تقعون في العنت، يعني بهذا: المؤمنين المخلصين، ثمَّ أثنى عليهم فقال: {أولئك هم الراشدون}.
{فضلاً من الله} أَيْ: الفضل من الله عليهم.
{وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} نزلت في جمعين من الأنصار كان بينهما قتالٌ بالأيدي والنِّعال {فأصلحوا بينهما} بالدُّعاءِ إلى حكم كتاب الله. فإن بغت إحداهما على الأخرى أَيْ: تعدَّت إحداهما على الأخرى وعدلت عن الحقِّ {فقاتلوا} الباغية حتى ترجع إلى أمر الله في كتابه. {فإن فاءت} رجعت إلى الحقِّ {فأصلحوا بينهما} بحملهما على الإِنصاف {وأقسطوا} وأعدلوا {إنَّ الله يحب المقسطين}.
{إنما المؤمنون أخوة} في الدين والولاية {فأصلحوا بين أخويكم} إذا اختلفا واقتتلا {واتقوا الله} في إصلاح ذات البين {لعلكم ترحمون} كي ترحموا به.
{يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم...} الآية. نهى الله تعالى المؤمنين والمؤمنات أن يسخر بعضهم من بعض {عسى أن يكونوا} أَيْ: المسخور منه {خيراً منهم} من السَّاخر، ومعنى السُّخرية ها هنا الازدراء والاحتقار. {ولا تلمزوا أنفسكم} لا يعب بعضكم بعضاً {ولا تنابزوا بالألقاب} وهو أن يُدعى الرَّجل بلقبٍ يكرهه، نهى الله تعالى عن ذلك. {بئس الاسم الفسوق بعد الإِيمان} يعني: إنَّ السُّخرية واللَّمز والتَّنابز فسوقٌ بالمؤمنين، وبئس ذلك بعد الإِيمان.

.تفسير الآيات (12- 14):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14)}
{يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إنَّ بعض الظن إثم} وهو أنْ يظنَّ السُّوء بأهل الخير، وبمن لا يُعلم منه فسقٌ. {ولا تجسسوا} لا تطلبوا عورات المسلمين، ولا تبحثوا عن معايبهم {ولا يغتب بعضكم بعضاً} لا تذكروا أحدكم بشيءٍ يكرهه وإن كان فيه ذلك الشَّيء. {أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً} يعني: إنَّ ذكرك أخاك على غيبةٍ بسوءٍ كأكل لحمه وهو ميِّت، لا يحسُّ بذلك. {فكرهتموه} إنْ كرهتم أكل لحمه ميتاً فاكرهوا ذكره بسوءٍ.
{يا أيها الناس إنَّا خلقناكم من ذكر وأنثى} أَيْ: كلُّكم بنو أبٍ واحدٍ وأمٍّ واحدةٍ، فلا تفاضل بينكم في النَّسب {وجعلناكم شعوباً} وهي رؤوس القبائل، كربيعة ومضر {وقبائل} وهي دون الشُّعوب كبكر من ربيعة، وتميم من مضر {لتعارفوا} ليعرف بعضكم بعضاً في قرب النَّسب وبعده لا لتتفاخروا بها، ثمَّ أعلم أنَّ أرفعهم عنده منزلةً أتقاهم، فقال: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم...} الآية.
{قالت الأعراب آمنا} نزلت في نفرٍ من بني أسدٍ قدموا المدينة في سنةٍ جدبةٍ بذراريَّهم، وأظهروا كلمة الشَّهادة، ولم يكونوا مؤمنين في السِّرِّ، فقال الله تعالى: {قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} أَيْ: لم تُصدِّقوا الله ورسوله بقلوبكم ولكن أظهرتم الطَّاعة مخافة القتل والسَّبي {ولما يدخل الإِيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله} ظاهراً وباطناً {لا يلتكم} لا ينقصكم {من} ثواب {أعمالكم شيئاً...} الآية. ثمَّ بيَّن حقيقة الإيمان والمؤمن.

.تفسير الآيات (15- 17):

{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (16) يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (17)}
{إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون}. أَيْ: هؤلاء هم الذين صدقوا في إيمانهم، لا مَنْ أسلم خوف السَّيف، ورجاء المنفعة، فلمَّا نزلت الآيتان جاءت الأعراب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحلفوا بالله أنَّهم مؤمنون، وعلم الله غير ذلك منهم، فأنزل الله تعالى: {قل أتعلمون الله بدينكم...} الآية. أيْ: أَتُعَلِّمونه بما أنتم عليه وهو يعلم ذلك.
{يمنون عليك أن أسلموا} وذلك أنَّهم كانوا يقولون لنبيِّ الله صلى الله عليه وسلم: أتيناك بالعيال والأثقال طوعاً، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلانٍ فأعطنا، فقال الله تعالى: {قل لا تمنوا عليَّ} وقوله: {إن كنتم صادقين} أنَّكم مؤمنون، أَيْ: لله المنَّةُ إن صدقتم في إيمانكم لا لكم.

.سورة ق:

.تفسير الآيات (1- 4):

{ق وَالْقُرْآَنِ الْمَجِيدِ (1) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (2) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (3) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (4)}
{ق} قُضي ما هو كائنٌ إلى يوم القيامة {والقرآن المجيد} الكبير القدر والكثير الخير.
{بل عجبوا} يعني: كفَّار مكَّة {أن جاءهم منذر منهم} محمدٌ عليه السَّلام، وهم يعرفون نسبه وأمانته {فقال الكافرون هذا شيء عجيب} يعني: هذا الإنذار الذي ينذرنا.
{أإذا متنا وكنا تراباً} نُبعث؟ وهذا استفهامُ إنكارٍ، وجوابه محذوفٌ، ثمَّ انكروا ذلك أصلاً، فقالوا: {ذلك} أَيْ: البعث {رجع بعيد} ردٌّ لا يكون. قال الله تعالى: {قد علمنا ما تنقص الأرض منهم} ما تأكل من لحومهم {وعندنا كتاب حفيظ} أَي: ْ اللَّوح المحفوظ من أن يدرس ويتغيَّر، وفيه جميع الأشياء المقدَّرة.

.تفسير الآيات (5- 11):

{بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (5) أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (8) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (10) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (11)}
{بل كذَّبوا بالحق} أَيْ: بالقرآن {لما جاءهم فهم في أمرٍ مريج} مُلتبسٍ عليهم، مرَّةً يقولون للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: ساحرٌ، ومرَّةً: شاعرٌ ومرَّةً: مُعلَّمٌ، ثمَّ دلَّهم على قدرته فقال: {أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها ومالها من فروج} شقوق. وقوله: {من كلِّ زوج بهيج} أَيْ: من كلِّ لونٍ حسنٍ.
{تبصرة} فعلنا ذلك تبصيراً وتذكيراً ودلالةً على قدرتنا {لكلِّ عبد منيب} يرجع إلى الله تعالى، فيتفكَّر في قدرته. وقوله: {وحبَّ الحصيد} أَيْ: ما يُقتات من الحبوب.
{والنخل باسقات} طوالاً {لها طلع نضيد} ثمرٌ متراكبٌ.
{رزقاً للعباد} أَيْ: آتينا هذه الأشياء للرِّزق {وأحيينا به} بذلك الماء {بلدة ميتاً كذلك الخروج} من القبور.

.تفسير الآيات (14- 25):

{وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (14) أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (15) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18) وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (19) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (20) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (21) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22) وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (23) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (24) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (25)}
{وقوم تبع} وهو ملكٌ كان باليمن أسلم، ودعا قومه إلى الإِسلام فكذَّبوه وقوله: {فحقَّ وعيد} وجب عليهم العذاب.
{أفعيينا بالخلق الأول} أَيْ: أَعجزنا عنه حتى نعيى بالإعادة {بل هم في لبس} شكٍّ {من خلق جديد} أَيْ: البعث.
{ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه} يحدثه قلبه {ونحن أقرب إليه} بالعلم {من حبل الوريد} وهو عرقٌ في العنق.
{إذ يتلقى المتلقيان} أَيْ: المَلكان الحافظان يتلقَّيان ويأخذان ما يعمله الإنسان، فيثبتانه. {عن اليمين وعن الشمال قعيد} قاعدان على جانبيه.
{ما يلفظ} يتكلَّم {من قول إلاَّ لديه رقيب} حافظٌ {عتيد} حاضر.
{وجاءت سكرة الموت} أَيْ: غمرته وشدَّته {بالحق} أَيْ: من أمر الآخرة حتى يراه الإنسان عياناً. {ذلك ما كنت منه تحيد} أَي: ْ تهرب وتروغ: يعني: الموت.
{ونفخ في الصور} أَيْ: نفخة البعث. {وذلك يوم الوعيد} الذي يُوعد الله به الكفَّار.
{وجاءت كلُّ نفس} إلى المحشر {معها سائق} من الملائكة يسوقها {وشهيد} شاهدٌ عليها بعملها، وهو الأيدي والأرجل، فيقول الله تعالى: {لقد كنت في غفلة هذا} اليوم {فكشفنا عنك غطاءك} فخلينا عنك سترك حتى عاينته {فبصرك اليوم حديد} فعلمك بما أنت فيه نافذٌ.
{وقال قرينه} أَيْ: المَلك الموَّكل به: {هذا ما لديَّ عتيد} هذا الذي وكَّلتني به قد أحضرته، فأحضرت ديوان أعماله، فيقول الله للملَكين الموكَّلين بالإِنسان: {ألقيا في جهنم كلَّ كفار عنيد} عاصٍ مُعرضٍ عن الحقِّ.
{مناع للخير} للزَّكاة المفروضة وكلِّ حقٍّ في ماله {معتد} ظالمٍ {مريب} شاكٍّ.

.تفسير الآيات (27- 42):

{قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (27) قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (28) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (29) يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (30) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (31) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (33) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (34) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (35) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (36) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37) وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (38) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (39) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (40) وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (41) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (42)}
{قال قرينه} من الشَّياطين: {ربنا ما أطغيته} ما أضللته {ولكن كان في ضلال بعيد} أَيْ: إنَّما طغى هو بضلاله، وإنَّما دعوته فاستجاب لي، كما قال في الإخبار عن الشَّيطان: {إلاَّ أنْ دعوتُكم فاستجبتُمْ لي} فحينئذٍ يقول الله: {لا تختصموا لدي وقد قدَّمت إليكم بالوعيد} حذَّرتكم العقوبة في الدُّنيا على لسان الرُّسل.
{ما يبدل القول لدي} لا تبديل لقولي ولا خلف لوعدي {وما أنا بظلام للعبيد} فأعاقب بغير جرم.
{يوم نقول لجهنم هل امتلأت} وهذا استفهامُ تحقيقٍ، وذلك أنَّ الله عزَّ وجلَّ وعدها أن يملأها، فلمَّا ملأها قال لها: {هل امتلأت وتقول هل من مزيد} أَيْ: هل بقي فيَّ موضعٌ لم يمتلئ، أيْ: قد امتلأت.
{وأزلفت الجنة} أُدنيت الجنَّة {للمتقين} حتى يروها {غير بعيد} منهم، ويقال لهم: {هذا ما توعدون لكلِّ أوَّاب} رجَّاع إلى الله بالطًّاعة {حفيظ} حافظ لأمر الله.
{من خشي الرحمن بالغيب} خاف الله ولم يره {وجاء بقلب منيب} مقبلٍ إلى طاعة الله. يقال لهم: {ادخلوها بسلام} بسلامةٍ من العذاب {ذلك يوم الخلود} لأهل الجنَّة فيها.
{لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد} زيادةٌ ممَّا لم يخطر ببالهم. وقيل هو الرُّؤية.
{وكم أهلكنا قبلهم} قبل أهل مكَّة {من قرنٍ} جماعةٍ من النَّاس {هم أشدُّ منهم بطشاً فَنَقَّبوا} طوَّفوا البلاد وفتَّشوا، فلم يروا محيصاً من الموت.
{إن في ذلك} الذي ذكرت {لذكرى} لعظةً وتذكيراً {لمن كان له قلب} أَيْ: عقلٌ {أو ألقى السمع} أَيْ: استمع القرآن {وهو شهيد} حاضر القلب. وقوله: {وما مسنا من لغوب} أَيْ: وما أصابنا تعبٌ وإعياءٌ، وهذا ردٌّ على اليهود في قولهم: إنَّ الله تعالى استراح يوم السَّبت.
{فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك} صلِّ لله {قبل طلوع الشمس} أَيْ: صلاة الفجر {وقبل الغروب} صلاة الظهر والعصر.
{ومن الليل فسبحه} أَيْ: صلاتي العشاء {وأدبار السجود} أَيْ: الرَّكعتين بعد المغرب.
{واستمع} يا محمد {يوم ينادي المنادي} وهو إسرافيل عليه السَّلام يقول: أيَّتها العظام البالية، واللُّحوم المُتمزِّقة، إنَّ الله يأمركنَّ أن تجتمعن لفصل القضاء {من مكان قريب} من السِّماء، وهو صخرة بيت المقدس أقرب موضعٍ من الأرض إلى السَّماء.
{يوم يسمعون الصيحة بالحق} أَيْ: نفخة البعث {ذلك يوم الخروج} من القبور.